محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

732

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

نفسه نارا ؛ فالآكل نار والمأكول نار ، والقائل بالهوى نار ، والمقول بالهوى نار ، والهوى هاوية : فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ . وسرّ آخر : إذا كان المأكول في بطونهم من الأثمان نارا ، والمنقوش في نفوسهم من الهوى نارا ، وقد أصرّوا على ذلك إصرارا ؛ فما أصبرهم على النار بالإصرار والاستكبار ؛ وقد رأيت من يرى رأيا ويختار مذهبا باطلا كيف يصرّ على الذبّ عنه والتعصّب له ؛ فتقول : ما أصبره على رأيه الفائل ومذهبه الباطل ! ! فالمفسّرون يحملون النار على نار جهنّم ، والمحقّقون يحملون النار والصبر عليها على نار الهوى ؛ فتلك النار هي التي تطّلع على الأفئدة ، خاصّة وهي النار الحامية والعين الآنية . وسرّ آخر : قوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ذكر الحكم وذكر علّة الحكم ، وهم يكتمون ما أنزل اللّه بالاختلاف فيه ، وهاهنا قوم مختلفون فيه تنزيلا وتأويلا ، وقوم متّفقون على كلمة واحدة فيه تنزيلا وتأويلا ؛ فالمختلفون فيه ليسوا من أهل الكتاب ولا هم يعرفون لسان الكتاب ؛ فيكتمون البيّنات ويسترون النصوص والظواهر من الآيات بالأهواء الباطلة والآراء الفاسدة ، فيحلّون المحرّمات ويحرّمون المحلّلات ، وكلّ ذلك كتمان ما أنزل اللّه ، والمتّفقون عليه هم أهل الكتاب والعارفون بلسان الكتاب ، فيبيّنون المجملات ويظهرون المستورات ، ومذهبهم أنّ اللّه نزّل الكتاب بالحقّ ؛ فأظهر فيه التوحيد والنبوّة والحقّ والباطل والحلال والحرام ( 300 آ ) وبيّن أنّ النجاة فيه والصدق كلّ الصدق مقصور عليه ، والمختلفون فيه لفي شقاق من الحقّ بعيد ، يتباعد ما بين الطرفين والشقّين منه تباعد الطرف من الطرف علوّا وتقصيرا وجبرا وقدرا وتعطيلا وتشبيها ؛ فلا يلتقيان على حدّ الاتّفاق ، ولا يجتمعان على كلمة الاتّحاد ؛ والمتّفقون فيه لفي وفاق قريب بتقارب ما بين الطرفين منه تقارب الوسط من الوسط ، يبتغون بين ذلك سبيلا ، هم الأمّة المقتصدة ، هم الأمّة الوسط وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً .